السيد كمال الحيدري
59
شرح بداية الحكمة
الفصل التاسع : في نفي القول بالاتفاق ، وهو انتفاء الرابطة بين ما يعدّ غاية للأفعال وبين العلل الفاعلية ربما يظن أن من الغايات المترتبة على الأفعال ما هي غير مقصودة لفاعلها ولا مرتبطة به ، ومثّلوا له بمن يحفر بئراً ليصل إلى الماء فيعثر على كنز ، والعثور على الكنز ليس غاية لحفر البئر مرتبطة به ، ويسمّى هذا النوع من الاتفاق بختاً سعيداً ، وبمن يأوي إلى بيت ليستظلّ فينهدم عليه فيموت ، ويسمّى هذا النوع من الاتفاق بختاً شقياً . وعلى ذلك بنى بعض علماء الطبيعة كينونة العالم ، فقال : إن عالم الأجسام مركّبة من أجزاء صغار ذرّية مبثوثة في خلاء غير متناهٍ ، وهي دائمة الحركة ، فاتفق أن تصادمت جملة منها ، فاجتمعت فكانت الأجسام فما صلح للبقاء بقي وما لم يصلح لذلك فنى سريعا أو بطيئاً . والحق أن لا اتفاق في الوجود . ولنقدّم لتوضيح ذلك مقدمة هي : إن الأمور الكائنة يمكن أن تتصور على وجوه أربعة منها ما هو دائميّ الوجود ، ومنها : ما هو أكثريّ الوجود ومنها : ما يحصل بالتساوي كقيام زيد وقعوده مثلًا ، ومنها : ما يحصل نادراً وعلى الأقل كوجود الإصبع الزائد في الإنسان . والأمر الأكثري الوجود يفارق الدائمي الوجود بوجود معارض يعارضه في بعض الأحيان ، كعدد أصابع اليد فإنها خمسة على الأغلب ، وربما أصابت القوة المصوّرة للإصبع مادة زائدة صالحة لصورة الإصبع ، فصوَّرتها